الفساد في العراق… ليس سرقةً للمال فحسب
كلما كُشف عن ملف جديد من ملفات الفساد في العراق، تتجدد الصدمة. ليس بسبب حجم الأموال المنهوبة فحسب، بل لأن ما ينكشف يوحي بأننا أمام منظومة متكاملة، لا مجرد تجاوزات فردية.
لقد تجاوز الفساد حدود الجريمة المالية، ليصبح اعتداءً على الدولة نفسها. فهو لم يبدد الثروات فقط، بل عطّل المؤسسات، وأضعف هيبة القانون، وأفقد المواطن ثقته بمن يفترض أنهم أمناء على مصالحه.
والسؤال الأخطر: كيف استمر هذا النهب سنوات طويلة؟ وكيف أفلت المتورطون من العقاب طوال هذه المدة؟ إن استمرار الفساد بهذا الاتساع لا يفسره طمع الفاسدين وحده، بل يكشف أيضًا عن تعطيل القانون، وإضعاف أجهزة الرقابة، وغياب المحاسبة، حتى أصبح بعض النافذين يشعرون أنهم فوق القانون.
ولم يقتصر الخراب على المال العام، بل امتد إلى منظومة القيم، فأصبح الثراء غير المشروع عند البعض عنوانًا للنجاح، بينما يدفع الشريف ثمن نزاهته. وحين تنقلب المعايير بهذه الصورة، فإن المجتمع يخسر أخلاقه قبل أن يخسر أمواله.
إن استرداد الأموال المنهوبة خطوة ضرورية، لكنه لا يكفي. فالمعركة الحقيقية هي استرداد الدولة، وإعادة الاعتبار للقانون، وترسيخ مبدأ راسخ لا استثناء فيه: لا أحد فوق القانون، ومن يعتدي على المال العام يُحاسب، كائنًا من يكون.
لقد أنعم الله على العراق بثروات هائلة، وكان يمكن أن يكون في طليعة الدول ازدهارًا، لولا أن الفساد استنزف موارده وعطّل تنميته وتقدمه ، وسرق حلمه وأمله في حياة كريمة لا ئقة .
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. الأعراف 56

