مقالات مختارة

سعر الصرف و نذر الإحتجاجات الشعبية

الأستاذ الدكتور نديم الجابري 

يبدو أن تغيير سعر صرف الدينار المتكرر ، لم يكن نتيجة آلية سوق حرة بقدر ما  كان ، في جانب مهم منه ، قراراً حكومياً رسمياً يقضي بتعديل السعر المثبت . 
إن هذه السياسة إختص بها العراق دون غيره ، بينما لم تشهد بلدان الخليج العربية مثل هذه السياسات، لأن هذه البلدان تبنت منذ عقود نظام ربط قوي و مستقر للعملة المحلية بالدولار مع إمتلاكها أدوات و إحتياطات تساعدها في الدفاع عن هذا الربط . و على سبيل المثال ، ربط الريال السعودي بالدولار عند 3.75 ريال للدولار منذ عام 1986 . و الدرهم الإماراتي عند نحو 3.64 درهم للدولار منذ عام 1980 .و الريال القطري عند نحو 3.64 ريال للدولار منذ عام 1979 .
عليه ، فإن المشكلة لا تكمن بضعف الدينار العراقي ، و قوة العملات الخليجية ، إنما المشكلة تكمن في أن العراق لم يؤسس حتى الآن منظومة مالية و نقدية تجعل تثبيت سعر الصرف قراراً مستداماً و مستقلاً عن تقلبات النفط و العجز المالي . أما دول الخليج العربي، فقد جعلت إستقرار سعر الصرف ركيزة مؤسسية طويلة الأمد، و دعمتها بسياسات نقدية و إحتياطيات و أطر مالية مختلفة .
و بموجب هذه التصورات العلمية، فإن تخفيض قيمة الدينار العراقي ينقل جزء من عبء الإختلال المالي من الموازنة الحكومية إلى المواطن الذي يتعاطى بالدينار . و بالتالي ، فإن إنخفاض قيمة الدينار سيؤدي إلى إرتفاع تكلفة المعيشة على المواطن. لذلك لا ينبغي أن يكون سعر الصرف حلا للموازنة، لأنه إذا عالجت الحكومة عجزها المتكرر عن طريق خفض قيمة الدينار، فإنها تحصل على فائدة مالية قصيرة الأجل، بيد أنها قد تدفع ثمنا إجتماعياً و إقتصادياً من خلال إنخفاض القوة الشرائية للمواطن ، و إرتفاع تكلفة الإستيراد، و إرتفاع تكاليف الإنتاج الذي يعتمد على المواد الأولية المستوردة . فضلاً عن إنخفاض القيمة الحقيقية للمدخرات بالدينار، و إنتقال جزء من عبء العجز الحكومي إلى المواطنين.
و في الواقع ، تكمن المعالجة الأكثر استدامة في الإجراءات الآتية:
1- تنويع الإقتصاد العراقي .
2- زيادة الإنتاج المحلي .
3- إصلاح منظومة الضرائب و الجمارك .
4- تقليل الهدر و الفساد قدر المستطاع .
5 - إصلاح الشركات الحكومية.
6 - إصلاح النظم المصرفية.
7 - تنمية القطاع الخاص.
8- الحد من سياسات التوظيف الحكومي قدر المستطاع.
9-  الحد من البيروقراطية التي تتحكم بمؤسسات الدولة .
و ربما تتعاظم المشكلة، إذا أصبحت سياسة تغيير سعر الصرف وسيلة متكررة لمعالجة عجز الموازنة بدل إصلاح أسباب العجز نفسها . إن تكرار هذه السياسات قد يفضي إلى إحتجاجات إجتماعية يصعب السيطرة عليها .