"جرف الصخر… " حين تصبح عودة الناس إلى ديارهم قضية دولة
ثمة قضايا لا ينبغي ان تتحول إلى أمر واقع، ولا يجوز للسياسة أن تجعل من استمرارها حالةً طبيعية. وملف جرف الصخر واحد من هذه القضايا؛ فهو ليس مجرد خلاف على ارض او منطقة أو ملف أمني مؤجل، بل جرح غائر في الضمير الوطني، تتداخل فيه العدالة الغائبة مع السيادة المجروحة، وحقوق المواطنين مع هيبة الدولة وقدرتها على إنفاذ القانون.
مضت أكثر من عشر سنوات على الأحداث التي شهدتها المنطقة، وما رافقها من "نزوح قسري" واسع لسكانها ترافق مع اتهامات خطيرة بشأن تغيير ديموغرافي ذي بعد طائفي، وهي اتهامات لا يجوز أن تبقى معلقة بين النفي والتأكيد؛ بل تستوجب تحقيقًا جادًا وشفافًا، وإعلان الحقائق للرأي العام، وإنصاف المتضررين.
كان يمكن تفهّم الإجراءات الاستثنائية في ذروة الحرب على الإرهاب، وكانت ضرورات الأمن تفرض ترتيبات قاسية ومؤقتة. لكن الاستثناء الأمني لا يمكن أن يتحول إلى قاعدة دائمة، ولا أن يصبح النزوح المؤقت حرمانًا مفتوحًا من حق العودة.
لقد انتهت العمليات العسكرية الكبرى ضد داعش منذ سنوات، واستعادت الدولة السيطرة على أراضيها، وعاد النازحون إلى معظم المدن والمناطق التي شهدت مواجهات أشد ضراوة. وهنا يبرز السؤال الذي لم يعد مقبولًا تأجيله: لماذا تبقى جرف الصخر استثناءً؟
إن حق المواطن في العودة إلى بيته وأرضه ليس منّةً تمنحها جهة سياسية أو مسلحة، ولا ورقةً تخضع للمساومات، بل حق أصيل تكفله المواطنة والقانون. وإذا كانت هناك اتهامات محددة بحق أفراد، فمكانها القضاء؛ يحاسب المذنب ويحمي البريء. أما أن تدفع جماعة سكانية بأكملها ثمن جرائم لم تثبت عليها، فذلك يناقض أبسط قواعد العدالة.
ثم إن القضية تتجاوز حقوق الأهالي إلى سؤال أخطر يتعلق بسيادة الدولة نفسها: من يملك القرار في جرف الصخر؟ ومن يقرر من يدخل ومن يعود ومن يُمنع؟ وهل تستطيع مؤسسات الدولة ممارسة سلطاتها كاملة على المنطقة باعتبارها أرضاً عراقية ؟
هذه ليست أسئلة طائفية، بل أسئلة دولة. فالعراق الذي ننشده لا يمكن أن تكون فيه مناطق خارج السلطة الفعلية لمؤسساته، ولا مواطنون يحتاجون إلى موافقة جهة غير الدولة للعودة إلى بيوتهم . السيادة لا تتجزأ، والقانون لا ينتقي جغرافيته، والمواطنة لا تتغير بتغير الهوية المذهبية أو القومية.
ومن المؤسف أن استمرار الملف كل هذه السنوات لم يعد مجرد تقصير إداري؛ بل أصبح شاهدًا على خلل أعمق في قدرة النظام السياسي على معالجة المظالم المتراكمة. وكل سنة تمرّ تزيد الجرح عمقًا، وتزرع في نفوس المتضررين شعورًا بأن الدولة عاجزة عن إنصافهم.
ومع ذلك، فإن الفرصة ما زالت قائمة لمعالجة القضية عراقيًا ووطنياً. والمطلوب ليس خطابًا انفعاليًا ولا توظيفًا طائفيًا، وإنما قرار دولة شجاع: تشكيل لجنة قضائية وأمنية مستقلة، حصر الممتلكات والحقوق، كشف مصير المفقودين ، معالجة الادعاءات الأمنية بصورة فردية وفق القانون، تعويض المتضررين، ووضع جدول زمني معلن لعودة الأهالي وإعادة الحياة الطبيعية إلى المنطقة، مع ضمان خضوعها الكامل لسلطة الدولة وأجهزتها الرسمية.
والمسؤولية هنا لا تقع على الحكومة وحدها. ينبغي أن تتحول جرف الصخر إلى قضية وطنية يلتقي عندها الشرفاء من مختلف مكونات العراق؛ لأن الدفاع عن حق مظلوم من مكوّن آخر هو الاختبار الحقيقي لمعنى المواطنة. ومن يقف اليوم مع حق أبناء جرف الصخر في العودة إنما يدافع، في الحقيقة، عن حق كل عراقي في ألا يُهجّر غدًا من أرضه أو يُحرم من بيته بقوة الأمر الواقع.
ولا ينبغي الاستهانة أيضًا بالبعد الدولي للقضية. فإذا عجزت المؤسسات الوطنية عن توفير الإنصاف، واستمر حرمان المواطنين من حقوقهم سنوات أخرى، فمن الطبيعي أن تتجه القضية تدريجيًا نحو المنظمات الحقوقية والمؤسسات الدولية المختصة. وحينها لن يبقى الملف شأنًا داخليًا صرفًا، وستضيق مساحة المعالجة الوطنية التي ما زالت متاحة اليوم.
والحكمة تقتضي ألا ننتظر بلوغ تلك المرحلة.
فالدول القوية لا تخشى مراجعة أخطائها، بل تعالجها بشفافية وموضوعية . والقرار الشجاع ليس في الإصرار على واقع مختل، وإنما في تصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة أكبر. وإغلاق ملف جرف الصخر بالعدل والقانون وعودة الحقوق إلى أصحابها لن يكون انتصارًا لطائفة على أخرى، بل انتصارًا للدولة على الفوضى، وللمواطنة على التمييز، وللعراق على جراحه.
جرف الصخر اليوم قضية حق، وقضية دولة، وقضية ضمير.
والحقوق قد تتأخر، وقد تُحاصرها السياسة وموازين القوة، لكنها لا تموت بالتقادم.

