مقالات مختارة

العراق في العام 2021 … عام التحولات الداخلية والتفاعلات الخارجية

د. زيد عبد الوهاب

يمكن وصف العام 2021 بعام التحولات السياسية والأمنية المهمة التي يمكن أن تؤسس لوضع عراقي جديد للأعوام القادمة، يختلف بقواعده واستراتيجياته عن كافة الأعوام المنصرمة ولاسيما تلك التي تلت العام ٢٠٠٣، ولا تقتصر التحولات السياسية على الشؤون الداخلية ومعطياتها فقط، بل في قضايا السياسة الخارجية أيضا، فضلا عن تفاعلات أمنية كادت أن تؤدي بالبلد إلى المجهول.

شهد العراق منذ مطلع العام 2021 أحداثاً مهمة على مختلف المستويات، بدأت بتحديد ١٠ كانون الثاني/أكتوبر موعدا للانتخابات التشريعية في البلاد، وختم العام نفسه سلسلة أحداثه بخروج القوات القتالية التابعة للتحالف الدولي في الحادي والثلاثين من ديسمبر/ كانون الأول بحسب اتفاق سابق بين بغداد وواشنطن.

ولم تكن تحديات العراق سياسية داخلية أو خارجية على مستوى السياسات الخارجية، ولم تكن أيضا أمنية بتفاعلاتها التي كادت تودي بالبلد إلى المجهول، ولكن أيضا هناك تطورات اقتصادية ستؤثر بما لا يقبل الشك بالمستقبل القريب للحالة العراقية.

أبرز الأحداث السياسية 

بدأ العراق عام 2021 بالتهيئة للانتخابات المبكرة التي طالبت بها الاحتجاجات الشعبية التي نشبت في الربع الأخير من العام 2019، وجرى الاتفاق بين القوى السياسية والحكومة على إجرائها في السادس من يونيو/حزيران 2021، قبل أن يتم تأجيل الموعد لاحقاً حتى العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول من نفس العام.

    يمكن وصف حدث الانتخابات النيابية المبكرة في العراق على أنه الحدث الأبرز على الساحة العراقية ولعدة أسباب، قد يكون السبب الأهم أنها انتخابات مبكرة في غير موعدها الدستوري ٢٠٢٢، وسبب آخر في أنها جاءت بنتائج قد تؤسس لحالة جديدة في شكل إدارة السلطة، يعتمد على فكرة "حكومة ائتلافية" من الفائزين أو ما اصطُلح عليه "حكومة الاغلبية الوطنية"، في محاولة لمغادرة فكرة "المحاصصة الجمعية" والتي شاركت فيها كل الجماعات السياسية وكان للجميع وجود في كافة السلطات، وحكم هذا المنهاج العراق منذ حكومة ٢٠٠٦ وحتى اليوم.

    يعيش البلد اليوم اضطرابا حقيقيا في صراع السلطة بين من يحاول أخذ العراق نحو مبدأ "حكومة الفائزين" ضمن أوزان سياسية أفرزتها نتائج الانتخابات، ومن يعتقد أن "الشراكة الجمعية" هي مانع لتهميش طرف وضامن لاستقرار العراق المُهدَد في سلمه الأهلي والأمني، واستمر هذا الجدل من خلال النزول إلى الشارع وإرباك الوضع العام وتحدي الدولة والطعن والتشكيك في النتائج وإدارة العملية الانتخابية برمتها، حتى حسمت المحكمة الاتحادية الجدل في السابع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول حين ردت جميع الطعون وصادقت على نتائج الانتخابات.

في ملف السياسة الخارجية شهد العراق زيارة تاريخية للبابا فرنسيس شملت خمس محافظات عراقية، وحظيت الزيارة باهتمام سياسي وشعبي واسعين، حيث أصبح البابا فرنسيس الزعيم الروحي للعالم الكاثوليكي أول بابا يزور العراق من خلال الزيارة التي أجراها في 5 مارس/ آذار 2021، وأوضح البابا أنه جاء من أجل الحج، واصفا العراق بمهد الحضارات. وقال إن العراق تعرّض للحروب والإرهاب والصراعات الطائفية على مدار عشرات السنوات. كم أكد البابا أنه يدعو للعراق منذ سنوات، مشيرا إلى عدم وجود مكان بعد الآن للتطرف والعنف والتعصب بين العراقيين. وأوضح البابا أن العراق يحتاج إلى وحدة وأخوّة التنوع الديني والعرقي والثقافي من أجل بناء مستقبله.

إن الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في الزيارة كان زيارة مدينة أور التاريخية مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام، ولقاء البابا فرنسيس مع المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني في النجف، لأن هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يجتمع فيها البابا مع مرجع ديني أعلى للشيعة، وبعث رسائل سلام بين الأديان. في واقع الأمر، يمكن اعتبار هذا اللقاء الذي جمع بين مرجعين رئيسيين يُعرفان برسائل السلم الاجتماعي والحوار وينتقدان استخدام الدين كدافع للعنف، كان بمثابة رسالة رمزية في حد ذاته.

وشهد يونيو/ حزيران 2021 حدثاً سياسياً مهماً تمثل بعقد قمة ثلاثية جمعت رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والعاهل الأردني عبد الله الثاني لتفعيل التنسيق المشترك بين بغداد والقاهرة وعمان. وفي الشهر اللاحق عقدت بغداد وواشنطن الجولة الرابعة للحوار الاستراتيجي بين البلدين والتي تمخض عنها اتفاق على خروج القوات الأجنبية القتالية من العراق قبل نهاية 2021.

وفي أغسطس/ آب، استضاف العراق قمة دول الجوار بحضور عدد من رؤساء وملوك وأمراء الدول العربية والإقليمية إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والتي اعتبرت حدثاً مهماً لم يشهده العراق منذ تغيير النظام السياسي على يد الاحتلال الأميركي عام 2003.

يمكن وصف العام 2021 بأنه عام الدبلوماسية العراقية والسياسة الخارجية العراقية النشطة، حيث تحسب لمصطفى الكاظمي أنه كان أكثر فاعلية من أسلافه في رئاسة الحكومات السابقة، واستطاع أن يؤسس لفاعلية اقتصادية في العلاقات الدولية توازي الفاعلية السياسية وأثرها في الانفتاح العراقي على دول الجوار الإقليمي والنظم الدولية العظمى والكبرى.

أجريت في بغداد أربع جولات من الحوار الاستراتيجي ما بين الرياض وطهران، وعمد الكاظمي إلى محاولة تثبيت نوعٍ من التوازن في علاقات بغداد بين المتخاصمين الإقليميين في المشهد العراقي السعودية وطهران، في ظلّ التحوّلات التي تشهدها المنطقة. أضف إلى ذلك، أن رئيس الحكومة العراقية يسعى إلى تثبيت فكرة قائمة على أن «استقرار العراق شرطه هو تخفيف التوترات بين دول الإقليم»، وأن بإمكان العراق القيام بدور الوسيط بين دول المنطقة المتنازعة، وما لهذا الدور من علاقة بالمستقبل السياسي للكاظمي نفسه.

 

أبرز الأحداث الأمنية 

قد يصنف العام 2021 من ضمن الأعوام التي وصل فيها العراق إلى شفا الحرب الأهلية والفوضى، بسبب التفاعلات العسكرية التي مثلتها الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة على مصالح عراقية ودبلوماسية دولية، فقد هوجمت سفارات وقواعد عسكرية عراقية وأمريكية وأخرى تابعة للتحالف الدولي بصواريخ الكاتيوشا والغراد وطائرات مسيرة ملغومة وعبوات ناسفة، دون أن تصيب أهدافها بدقة وكانت عادة ما يتم صدها بمنظومات عسكرية متطورة مضادة للصواريخ أو أنها تخطئ أهدافها وتصيب مدنيين عراقيين بالضرر.

 

كانت المنطقة الدولية في بغداد التي تضم السفارة الأمريكية في بغداد وغيرها من مقرات البعثات الدولية وكذلك القاعدة الأمريكية في حدود مطار بغداد وقاعدة عين الأسد وقاعدة حرير قرب مطار أربيل وقاعدة بلد في صلاح الدين ومعسكر زليكان في الموصل، هي من أكثر المقار عرضة للاستهداف الأمني من لدن الفصائل المسلحة، وقد طورت من وسائل الهجمات حتى بات اللجوء إلى الطائرات المسيرة وتطور تكنولوجيا تلغيمها التي دخلت العراق مؤخرا من سمات العام ٢٠٢١، والذي يثبت بما لا يقبل الشك استمرارية قدرات الفصائل على تطوير وسائلها الهجومية واللوجستية لتحدي الدولة والجماعات السياسية الأخرى.

 

يمكن القول بأن أغلب تلك الهجمات كان تحمل رسائل سياسية بعضها موجه إلى مصطفى الكاظمي نفسه وأخرى موجهة لأطراف تتفاوض على شكل الحكومة الجديدة القادمة، وأخرى لأغراض تفاوضية إقليمية تتعلق بالبرنامج النووي وأجواء حوارات فيينا، ولكن الأبرز هو محاولة اغتيال رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة الذي نجا من هجمة بطائرتين مسيرتين لم تكشف نتائجها لحد الآن ما زالت تداعياتها متواصلة لغاية الآن.

يعد تحدي وجود الفصائل العراقية المسلحة تحت مسمى "المقاومة" هو الخطر الوجودي الأبرز على النظام السياسي للعام الماضي 2021 والتحدي الأبرز أمام الحكومة الجديدة للعام 2022، ولكون أن تلك الفصائل ليست محلية فقط وتعمل تحت منظومة فيلق القدس التابع للحرس الثوري، الأمر الذي يتيح لها أن تكون فاعلا مسلحا عابرا للحدود ومؤثرا في طبيعة العلاقات الدولية، ومصدرا من مصادر اللااستقرار الذي يهدد أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط برمتها كأي تنظيم إرهابي آخر.

تعرض العراق خلال العام الماضي إلى هجمات عديدة مباغتة من لدن تنظيم داعش في مناطق عديدة أهمها كركوك وديالى وصلاح الدين، بمقابل هجمات للقوات العراقية على مخابئ ومناطق اختباء التنظيم في الصحاري والأودية، في معركة مستمرة معقدة للغاية مع تنظيم زئبقي لا يمكن حسمها بسهولة إلا بعد استقرار العملية السياسية ومعالجة التضارب في القرار الأمني ما بين المؤسسات الأمنية والتي يمكن تعدادها بالعشرات دون حسم استراتيجي ضد كافة التحديات الأمنية.

خُتم العام 2021 بخروج القوات القتالية التابعة للتحالف الدولي في الحادي والثلاثين من ديسمبر/ كانون الأول بحسب اتفاق سابق بين بغداد وواشنطن، وأعلن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الأربعاء، اكتمال انسحاب القوات القتالية للتحالف الدولي لمكافحة تنظيم "داعش" من بلاده، واقتصار دور ما تبقى منها على تقديم المشورة والدعم.

ووفق مسؤولين أمريكيين فإن الولايات المتحدة ستحتفظ بنحو 2500 جندي لتقديم مهام المشورة والتدريب والدعم الاستخباراتي للقوات العراقية لملاحقة فلول تنظيم داعش الإرهابي، وهذا ما دفع بعض التقارير إلى التشكيك بحقيقة انسحاب القوات القتالية من العراق نظرا للمرحلة الانتقالية التي يمر بها العراق نفسه، عطفا على التحديات الأمنية الاستراتيجية التي تنتظر الولايات المتحدة نفسها في المنطقة، فما زالت مفاوضات فيينا لم تنته بعد بمخرجات واضحة مطمئنة لواشنطن وحلفائها، وأن خطر الجماعات الإرهابية مازال قائمة ويمكن أن يعود الاضطراب إلى منطقة الشرق الأوسط في أي لحظة.

 

مما لا يمكن تجاوزه في الملف العراقي من حصاد للعام 2021 هو الملف الاقتصادي المتعلق بانتهاء ملف تعويضات حرب الخليج الثانية وما بذمة العراق للكويت، حين أعلن البنك المركزي العراقي، في ديسمبر الماضي، دفع كامل هذه التعويضات البالغة 52.4 مليار دولار، عقب تسديد الدفعة الأخيرة المتبقية منها، والتي تبلغ قيمتها نحو 44 مليون دولار أمريكي، وأوضح بيان للبنك المركزي أن "العراق قد أتم سداد كامل مبالغ التعويضات التي أقرتها لجنة الأمم المتحدة للتعويضات التابعة لمجلس الأمن الدولي بموجب القرار رقم (687) للعام 1991".

 يعتبر إغلاق ملف التعويضات العراقية للكويت بمثابة إزالة لآخر أثر من آثار الفصل السابع من قرار التعويضات، وهذا سينعكس إيجابياً بأن يدمج فعلاً، كما أشار البنك المركزي، النظام المصرفي العراقي بالنظام المصرفي العالمي الذي كان حقيقة يعاني من آثار سلبية نتيجة لهذا القرار، ويتوقع خبراء الاقتصاد أن يسهم غلق ملف التعويضات الكويتية في استمرار تحسن الأوضاع المالية بالعراق، خصوصاً إذا ما تم استثمار الأموال التي كانت تستقطع للتعويضات بصورة صحيحة.