في عصر ظلمات القرارات الفردية
مالك التريكي \ القدس العربي
استمعت إلى اعترافات توني بلير على راديو البي بي سي بشأن العدوان على العراق. فقد حل ضيفا على جاستين ولبي في برنامجه الحواري مع الشخصيات العامة حول العقائد والمبادئ ومواجهة امتحان الضمير ساعة اتخاذ القرار. وتكمن طرافة البرنامج بداءة في هوية المقدّم. ذلك أن جاستين ولبي هو كبير أساقفة كانتربري، أعلى مرجع ديني في الكنيسة الأنغليكانية، حارسة المذهب الديني الرسمي والشعبي في بريطانيا منذ انشقاق هنري الثامن على الفاتيكان في القرن السادس عشر. ولإدراك طرافة الموقف، فإنه يعادل، منزّلا في سياقنا الديني والثقافي، قيام شيخ الأزهر أو مفتي الديار بدور المذيع المحاور للشخصيات العامة في بلداننا حول دور الإيمان والأخلاق في حياتهم الشخصية والمهنية..! وإذا كانت مثل هذه اللطائف غير قابلة للتصور عندنا مطلقا، فإنها من مميزات راديو البي بي سي الكثيرة التي تشمل، على سبيل المثال، استضافة شخصيات من مجالات الفنون والثقافة والسياسة والعلوم والرياضة أواخر كل عام وتكليفها برئاسة تحرير برنامج «توداي»، أهم برنامج إذاعي صباحي في بريطانيا!
سأل كبير الأساقفة: كثيرون ينتقدونك ويعدّونك مسؤولا مسؤولية شخصية عن مقتل أعداد لا تحصى من المدنيين الأبرياء والجنود في عدة حروب. فأجاب بلير: كثيرا ما يقال إني اتخذت القرار الخطأ في العراق وأفغانستان، لكن واقع الأمر أن على المسؤول السياسي أن يتخذ القرار الذي يعتقد أنه صائب. أما حقيقة ما إذا كان المسؤول محقّا أم مخطئا، فتلك مسألة أخرى (لا تستبان إلا بعد مضي الزمن). ذلك أن من شأن القرارات الكبرى أننا نتخذها دون أن نكون على علم تام بجميع عوامل الوضع وملابساته. فلا يبقى لنا آخر الأمر إلا اتباع الرأي والواعز الداخلي. ثم ختم قائلا: ربما كانت قراراتي خاطئة، لكنني فعلت ما ارتأيت، آنذاك، أنه الصواب.
هذه المرافعة الواهنة الباهتة (يا قوم لماذا تلومونني على مسألة بسيطة، مثل مقتل مئات الآلاف من الأبرياء، طالما أنكم تعلمون أني لم أفعل إلا ما ظننت يومئذ أنه حق وصواب!) هي المرافعة الوحيدة التي يمكن أن نتخيل فلاديمير بوتين لاجئا إليها لائذا بها. لكن ليس في هذه الدنيا، إذ إنه قد كمّم جميع الأحرار أو سجنهم فلم يبق في بلاده أحدا قادرا على مساءلته، وإنما يوم الحساب، فالبادي أنه مسيحي أرثوذكسي يؤمن بالثواب والعقاب. لكن ما يحدث في دنيانا هذه من حروب، من جنس ما شنه بلير وبوش أمس على العراق ويشنه بوتين اليوم على أوكرانيا اختيارا لا اضطرارا، إنما يوجب مساءلة المقولة التي لا تزال سائدة، منذ أن أشاعها تولستوي في تعقيبه الفلسفي الشهير على رواية الحرب والسلم، بأن من يصنع التاريخ ليس العظماء، وإنما عموم الناس. ليس الملوك والحكام، وإنما الفلاحون والعمال وعائلاتهم وسائر خلق الله. وهكذا تطورت منذ أوائل القرن العشرين مباحث التاريخ الاجتماعي والاقتصادي وتاريخ الذهنيات، ودشنت مدرسة الحوليات تاريخ الأمداء، أو الزمنيّات، الطويلة (التي سبق لابن خلدون أن سماها الأحقاب المتطاولة) بحثا عن بنية التاريخ العميقة الكامنة في صلب القوى اللاشخصية، أي القوى الاجتماعية التي تفعل في التاريخ فعلا جماعيا مشاعا بلا قصدية مسبقة بالضرورة، إلى أن بلغنا زماننا هذا فنبّهنا ديفيد رانسيمان، محقّا، أن ما يوجّه عالم القرن الحادي والعشرين ويحرّكه، محيطا به علما وحكما، ليس السياسة بل الابتكار، وليس الإيديولوجيا بل التكنولوجيا.
كل هذا وجيه بلا شك، إلا أن ثمة، مع ذلك، حالات في التاريخ لا يقررها إلا الأفراد. أولا، بالمعنى العميق الذي حدده الفيلسوف أشعيا برلين عندما قال: في اللحظات الحاسمة، وفي المنعطفات، عندما تبدو كل العوامل متساوية متوازنة، فإن الصدفة وشخصيات الأفراد، وقراراتهم وأعمالهم التي لا يمكن بالضرورة التنبؤ بها (بل قلّما يقع ذلك)، هي التي تستطيع تحديد مجرى التاريخ. وثانيا، بالمعنى البسيط المباشر الذي يعاينه عامة الناس في بعض حالات التاريخ المعاصر: غزو أوكرانيا، وتشريد ملايين البشر، قرار اتخذه فرد. وإلغاء الحكم الذاتي في كوسوفو، وما أنزله من مصائب على صربيا، قرار اتخذه فرد. وغزو الكويت، الذي كان بداية نهاية العراق الموحد، قرار اتخذه فرد بعد أن اتخذ، بمفرده أيضا، قرار حرب الثماني السنوات والمليون قتيل، وتفجير برلين الغربية ثم تفجير لوكربي، اللذان جلبا على ليبيا بلاء القصف ثم الحصار والإفقار، قرار اتخذه فرد، وتشريد ملايين السوريين وتوزيع بلادهم مزقا بين الروس والفرس وسواهم قرار اتخذه فرد مسترسل في الضحك الانفرادي.
حكم العقل بديهي: كل ما انجر عن هذه القرارات من تقتيل أجيال وتخريب أوطان إنما هو، ابتداء، وزر نفس واحدة. تبعة ضمير مفرد، قانونيا وأخلاقيا ودينيا. مسؤولية فردية بحتة لا دخل فيها لقوى التاريخ اللاشخصية ولا للتشكيلات والبنى والتحولات.

