مقالات مختارة

الحرب الأهلية الأمريكية المقبلة

 

سامح المحاريق

حقق فيلم «الحرب الأهلية» نجاحا معقولا في دور العرض في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنه أتى مخيبا من الناحية الفنية، فالسيناريو بطيء ومفكك بعض الشيء، ومع ذلك سيبقى فيلما يستحق المشاهدة لأسباب غير فنية، فهو الفيلم الذي ربما يتذكره العالم بعد سنوات، فحرب أهلية أمريكية لم تعد مستبعدة، وتجد ما يعززها يوما بعد آخر، ولعلها بدأت من الأساس عندما حمل الرئيس ترامب نسخة من الإنجيل وذهب ليقف صامتا تحت الشمس قريبا من البيت الأبيض، بالتزامن مع ذلك، كان الآلاف من مناصريه الغاضبين من خسارته الانتخابات السابقة يقتحمون مقر السلطة التشريعية في مبنى الكابيتول، بكثير من الفوضى والفاشية الناضحة في وجوههم وتصرفاتهم.
يعود ترامب في المناظرة الرئاسية بكثير من الثقة، وكأنه يعتبر فوزه تحصيل حاصل أمام الرجل العجوز، الذي يشغل موقع رئاسة الولايات المتحدة، ومع أن فارق العمر لا يتخطى أربع سنوات بين الرجلين، إلا أن فارق اللياقة الذهنية كان واضحا لمصلحة ترامب، وفي المحصلة رجلان عجوزان يتنافسان في السباق لحكم الدولة الأقوى في العالم، وفي التاريخ كذلك، لأنها دولة يمكن أن تلحق دمارا غير متصور بالعالم، من خلال ترسانتها النووية، ولنتذكر أن الرئيس ترامب لم يتورع عن الممازحة السمجة مع الرئيس الكوري الشمالي في هذه المسألة، وكان يرى أن السلاح النووي مجرد زر يمتلك الرئيس القدرة على تفعيله في لحظة ما.

يتحدث الديمقراطيون متأخرا عن استبدال مرشحهم الرئاسي، وهو الأمر الذي يتطلب في البداية موافقة الرئيس نفسه، لأنه قطع المطلوب منه على مستوى الحزب، ولا يبدو أن بايدن سينصاع ببساطة لضغوطات كثيرة، بدأت تتخذ منحى تصاعديا مع حجب شركة ديزني لدعمها المقدم للحزب، حتى ينسحب بايدن من السباق الرئاسي، ولكن يبدو أن أسهم ترامب مرتفعة، سواء كان منافسه بايدن أو غيره، لأن الديمقراطيين أخذوا ينقسمون أفقيا ورأسيا بين قضايا الهويات والهجرة والمسائل المتعلقة بالشؤون الدولية، ولأن ترامب يقدم صورة الرجل الذي يستطيع أن يعيد ترتيب أوضاع الاقتصاد الأمريكي من جديد، ليس بالضرورة من خلال إجراءات اقتصادية، لأنه يمتلك حلولا أخرى مثل البلطجة، والحديث عن ضرورة حصول أمريكا على مزيد من المزايا، نظير حمايتها لبعض المعادلات الدولية القائمة. يعترف الرئيس بايدن بتقديره الخاطئ الذي دفعه للذهاب إلى المناظرة في توقيت حرج، بينما يرى البعض أن هذه فرصة لاستدراك الوضع المربك والخطر الذي يواجهه الديمقراطيون في هذه المرحلة، وإشارة مهمة، يجب عدم إهمالها، ولكن ما هي الحلول التي للديمقراطيين في المرتبة الأولى، ما الذي دفعهم قبل سنوات لأن يختاروا بايدن؟ كان بايدن هو المخرج من احتمالية حصول بيرني ساندرز على بطاقة الترشح للحزب الديمقراطي، وتجنب الوقوع في تجربة مماثلة لجيرمي كوربين في حزب العمال البريطاني، الذي استعاد بالأمس رئاسة الحكومة بفوز واسع على المحافظين، بعد أربعة عشر عاما خارج السلطة، فساندرز الذي يمثل التوجه المبدئي بين الديمقراطيين، ولكنه أكثر يسارية مما تتحمله التقاليد الأمريكية، خاصة في هذه المرحلة، وكذلك مهربا من تقديم هيلاري كلينتون التي تورطت في إدارة سيئة لوزارة الخارجية الأمريكية أضرت بمصالح حلفاء رئيسيين أساسيين للأمريكيين، وكذلك سلوكيات غير مقبولة أخرى على مستوى أسلوبها في العمل، بمعنى أن بايدن الذي كان (مركونا على الرف) لسنوات، كان أفضل خيار سيئ في ذلك الوقت، فما الذي استجد ليعتبر الديمقراطيون أن لديهم اليوم بديلا مناسبا لخوض الانتخابات المقبلة.

ترامب العائد بكثير من الغضب والحقد سيضع الولايات المتحدة في صراعات جديدة، بعضها يتماس مع الاعتبارات الأخلاقية، ليوفر التمترس الأخلاقي أرضية للصراع، ويمثل مبررا لتصعيده، والمطلوب ممن يذهبون إلى أي حرب أن يحملوا أيديولوجيا معينة يلبسونها رداء أخلاقيا، وهذه مسألة سيوفرها ترامب الذي لم يتردد في أن يصف كل تحيز بايدن إلى جانب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، بأنه موقف أقل من المطلوب، حتى إنه يصف بايدن بالفلسطيني، فما الذي يمكن أن يفعله ترامب في هذه الحالة، أي أضواء خضراء سيمنحها لإسرائيل؟
الحرب الأهلية لم تعد أبدا احتمالا مستبعدا، ستختلف قطعا عن فيلم ممل إلى حد كبير، لا يفسر ذيوعه سوى أن كثيرا من الأمريكيين أخذوا يتصورون المستقبل على هذه الشاكلة، ويحاولون أن يطلوا من شباك القدر على مصيرهم، خلال سنوات من الزمن، ولعلهم يتساءلون اليوم كيف بعد وصولهم إلى ذروة الحلم مع وصول رئيس أمريكي أسود وشاب ومتحدث مفوه إلى حكم البلاد، أن تنحصر خياراتهم بين عجوزين أحدهما خرف والآخر مهووس، فهل تقود أمريكا العالم إلى شكل جديد للدولة، تتغيب لتفسح الطريق لواقع مخيف كان يشغل نبوءات كتاب ومفكرين مثل جورج أورويل وألدوس هكسلي أمام حالة مشابهة للعالم وانهيار قواه التقليدية قبل الحرب العالمية الثانية، فهل نصله هذه المرة لتتحكم قوى خفية بمصائرنا، ونصبح مجرد كائنات مبرمجة في عصر لا نفهمه، ويسلمنا إلى مزيد من التشتت والتراكض في اللا جدوى واللا معنى، وإلى حرب كبيرة ومدمرة تعيد تهذيب الإنسانية بعض الشيء وتخترع بعض المبادئ المسكنة لشيء من الوقت.
أيا يكن، في الخلفية وراء العجوزين، كان الشيطان يقف مبتسما وراضيا عن منجزه وهو يدفع العالم إلى محطة جديدة من الجنون والعبث.
كاتب أردني