انحرافات أمريكا غير المبررة
لطفي العبيدي
الطابع الطويل للسياسات والممارسات الإسرائيلية غير القانونية يزيد من تفاقم انتهاكها لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. والاحتلال الإسرائيلي الذي دام عقودا من الزمان حرم الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير لفترة طويلة. ومثل هذا الاحتلال الوحشي يقوض ممارسة هذا الحق في المستقبل.
لقد أشارت محكمة العدل الدولية إلى شيء من هذا. وكان الحكم الذي أصدرته منذ فترة وجيزة أحد أهم القرارات في تاريخ أعلى محكمة تابعة للأمم المتحدة على مدار 79 عاما. ورغم أنه غير ملزم باعتباره رأيا استشاريا، لكن تأكيده بأنّ إسرائيل «يجب أن تنهي احتلالها المستمر منذ 57 عاما بالكامل وبأسرع ما يمكن». وأن الدول والمنظمات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، تتحمل مسؤوليات محددة «بالامتناع عن مساعدة الاحتلال أو الاعتراف بوجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة واعتباره غير قانوني» يكتسب أهمية بالنظر إلى تاريخ القضية الفلسطينية ومواقف المجتمع الدولي في شأنها. وهو قرار يدين في عمقه الدول الغربية وفي مقدمتها أمريكا، التي سمحت بالاحتلال وبالإجرام وسرقة الأراضي، وارتكاب أبشع الجرائم في حق شعب يناضل لنيل استقلاله، وهو يتعرض إلى حرب إبادة وانتهاك لحقوق الإنسان، ومازال العالم عاجزا عن وقف المجازر الصهيونية.
منذ فترة طويلة، كان من المقبول لدى الدبلوماسيين والمحامين الدوليين أن العديد من سمات الاحتلال الإسرائيلي الطويل غير قانونية مثل الضم الرسمي للقدس الشرقية والمستوطنات الإسرائيلية، وبناء الجدار العازل، والعديد من الانتهاكات لحقوق الإنسان الفلسطيني. لكن هل كان الاحتلال نفسه غير قانوني؟. لم يقدّم القانون الإنساني الدولي إجابة واضحة على هذا السؤال، لأنه كان معنيا فقط بتنظيم الاحتلال. إنّ القرارات المماثلة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية، وخاصة حكم ناميبيا في عام 1971 الذي يتناول إقليما تحت الانتداب، تشير إلى أن الاحتلال الذي كان يُعتقد في البداية أنه قانوني قد يصبح غير قانوني، لكن دون أي يقين. لقد أصبح لدينا الآن هذا اليقين كما أكد مايكل لينك، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فقد ذكرت المحكمة أن ذروة ممارسات إسرائيل وسياساتها تعبّر عن نية خلق وجود إسرائيلي دائم لا رجعة فيه في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولا يمكن للاحتلال أبدا أن يبرر للقوة المحتلة أن تكون بمثابة مصدر ملكية للأراضي، أو يبرر اكتسابها من قبل القوة المحتلة.
الاتهام بمعاداة السامية بعد هجمات 11 من سبتمبر، صار مبرر الدعم الأمريكي لإسرائيل عبر الزعم أن الدولتين تواجهان تهديد الجماعات الإرهابية، التي تنطلق من الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ومجموعة من الدول المارقة، التي تدعم الإرهابيين. هذا ما يجعل أمثال والتر راسييل مييد يؤكد أن التأييد الأمريكي البروتستانتي لليهود وإسرائيل وُجد قبل أن يطأ اليهود الدولة الأمريكية الناشئة، وقبل أن تتأسس «دولة إسرائيل». تماما مثل تأكيد جون ميرشايمر، وستيفن والت، أن دور اللوبي لا يقل أهمية عن البعد الديني، بل يكمّل بعضهما البعض، ويخدم أحدهما الآخر. وإلى اليوم تستمر استراتيجية اللوبي اليهودي داخل أمريكا في ممارسة الضغوط أساسا على جماعات المصالح الخاصة، وعلى الكونغرس والبيت الأبيض والإعلام.
الانحرافات الرئيسية لاستراتيجية الولايات المتحدة في التدخل الخارجي وانتهاك سيادة الدول، تسجلها تاريخيا الحرب الطويلة في فيتنام في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وكذلك غزو العراق في عام 2003. محطات مخزية كانت بمثابة فشل ذريع لدولة ادعت الحرية والعدالة الإنسانية، لكنها أول من انتهكها. فلم تكن فيتنام الشمالية ولا العراق من القوى المهيمنة الإقليمية ولا العالمية المحتملة، ولم تكن هناك حاجة استراتيجية ملحة للولايات المتحدة لمحاربة أي منهما. الحرب ضد صدام حسين فقط هي التي ستستعيد وبشكل حاسم الخوف على حماية المصالح الأمريكية في الخارج والمواطنين في الداخل. هكذا كان يفكر دعاة الحرب من المحافظين الأمريكيين آنذاك. وليس من المستغرب أن يكون المؤيدون لاستراتيجية ضبط النفس من مفكرين أمثال هانز مورغنثاو وجورج كينان وكينيث والتز وباري بوزن وآخرون، معارضين صريحين لكلا الحربين.
الهدف الأساسي للسياسة الخارجية الأمريكية هو تعزيز أمن الولايات المتحدة ورفاهية مواطنيها، بما في ذلك ازدهارهم الاقتصادي، والقيم الأساسية للمجتمع الليبرالي. ومع ذلك، فإن الأمن يأخذ الأولوية على الأهداف الأخرى، لأن الرخاء والقيم الليبرالية تختفي عادة عندما لا يكون البلد آمنا. بهذا المعنى تتجلى المفارقة حتى من قبل دعاة ضبط النفس، على اعتبار أنها الاستراتيجية الكبرى في السياسة الخارجية. وتدعو إلى دور عالمي أقل تدخلا للولايات المتحدة مما كان عليه الحال منذ الحرب العالمية الثانية. وهو منظور يرتبط ارتباطا وثيقا بواقعية السياسة الخارجية.
تؤكد سياسة ضبط النفس أن المصالح العالمية للولايات المتحدة واسعة النطاق، لكنها ليست لانهائية. وأن الإجراءات المتخذة لتعزيز هذه المصالح يجب أن تكون حكيمة ومحدودة النطاق. باختصار، يريد المؤيدون لها تقليص أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة والوسائل المستخدمة لتحقيقها. ومع ذلك، فإن سياسة ضبط النفس ليست سياسة انعزالية في تقدير ستيفن والت، ومؤيدوها ليسوا من دعاة السلام. هم لم يلعبوا أي دور مهم للضغط من أجل وقف الدعم الأمريكي لإسرائيل بالسلاح الذي سمح بتواصل هذه الحرب التدميرية في غزة. يدعمون التجارة المفتوحة والدبلوماسية الأمريكية النشطة، وفي بعض الحالات، الاستخدام المباشر للقوة العسكرية. كما إنهم لا يعارضون استخدام النفوذ الأمريكي لتعزيز «الأهداف الأخلاقية» على الرغم من أن لديهم وجهة نظر أكثر تشككا، وقد يقول البعض إنها أكثر واقعية، في قدرة أمريكا على تحقيق هذه الأهداف في جميع أنحاء العالم.
صناع القرار في واشنطن يبدو أنهم استنتجوا أنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تظل بعيدة، وأن تسمح للقوى المحلية بالحفاظ على التوازن من أجل مصالحها الذاتية، سواء في منطقة الشرق الأوسط، أو على الحدود مع روسيا. هي بكل بساطة تستشعر رغبة بعض الدول في أن تصبح قوية وطموحة للغاية، فترى أنه من واجبها أن تفعل المزيد، إما من خلال دعم الحلفاء المحليين بشكل أكثر سخاء، أو من خلال نشر قواتها الخاصة في المنطقة. هي الآن تتأرجح بين أكثر من خيار على اعتبار التوتر في أكثر من جبهة، وأزيد من مجال جغرافي شرقا وغربا. والصعوبة في الحفاظ على التوازنات دون التورط في حروب فاشلة مثل سابقاتها، هي الهاجس الحقيقي الذي يؤرق الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة مخاض سياسي داخلي وقتامة انتخابية واستقطاب ايديولوجي ومشاكل اجتماعية بنيوية هي نتيجة انحرافاتها التاريخية غير المبررة في حق الشعوب.
كاتب تونسي

