مقالات مختارة

العراق: الفساد المحصن

يحيى الكبيسي

في تقرير عن واقع الحقوق والحريات في العراق صدر في العام 2006 قلنا إن الفساد في العراق، ليس فساد أفراد (موظفون عموميون أو أفراد يمتلكون سلطة أو لديهم مدخل إليها) فقط، بل هو فساد بنيوي يشكل جوهر النظام السياسي والدولة، وقد تمدد ليصبح ظاهرة مجتمعية أيضا. وكتبت أيضا، إن الجهات المكلفة بمكافحة الفساد بشكل مباشر (هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والقضاء) أو بشكل غير مباشر (القضاء) هي جزء من بنية الفساد تلك، ومن ثمّ فإن الحديث عن مكافحة الفساد في العراق هو حديث عبثي!
وبعد 18 عاما على ما جاء في هذا التقرير، لم تتكرس بنية الفساد وحسب، بل أصبحت محصنة ولا يمكن تفكيكها، فضلا عن ملاحقة القائمين عليها أو محاسبتهم!
أعلن عام 2022عن سرقة مليارات الدولارات من المبالغ الضريبية المودعة لدى مصرف الرافدين لحساب هيئة الضريبة العامة (ليس هناك حتى اللحظة رقم رسمي دقيق ونهائي) ووجه، في البداية، اتهام إلى خمس شركات وهمية قامت باستلام هذه المبالغ (عبر إجراءات رسمية) وكان المبلغ الذي أعلنت عنه وزارة المالية هو 3.7 ترليون دينار عراقي (ما يقارب 2.5 مليار دولار أمريكي).
ولم تكن الدولة بأجهزتها المختلفة هي التي كشفت عن هذه السرقة، بل كشفها الصراع السياسي بين المتنفذين على حصصهم؛ ففي 16 آب 2021، استقال وزير المالية علي عبد الأمير علاوي، وتولى وزير النفط وزارة المالية وكالة وقد أصدر في15 أيلول قرارا باستبدال مدير عام الهيئة العامة للضرائب، وفتح تحقيق في «اختفاء مبالغ كبيرة من إيرادات هيئة الضريبة العامة». ولكن في 11 تشرين الأول 2022 صوّت مجلس النواب على قرار غريب وغير مفهوم بإنهاء تكليف وزير المالية وكالة، رغم أن الحكومة حينها كانت حكومة تصريف أعمال أصلا، وأن مشاورات تشكيل الحكومة اللاحقة كانت قد حسمت أيضا (تم تكليف محمد شياع السوداني بتشكيل الحكومة بعدها بيومين فقط) وهو ما يفضح أن قرار مجلس النواب كان غرضه التغطية على السرقة؛ فبعد يوم واحد من القرار وجه وزير المالية كتابا الى رئيس مجلس الوزراء أشار فيه إلى أن «السرقة كانت واضحة المعالم بصورة مطلقة». وأن قرار مجلس النواب بإنهاء تكليفه انما يصب في مصلحة «من استولى على المبلغ ومن أصدر لهم الصكوك وأذونات الصرف» فضلا عن أن عددا من «كبار قادة البلد» قد نصحوه بترك الوزارة!
إن مراجعة الوقائع المرتبطة بموضوع الأمانات الضريبية، وصولا إلى تحوله إلى موضوع رأي عام، تكشف أن سلطات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية، والمؤسسات المعنية بمكافحة الفساد (هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية) فضلا عن مصرف الرافدين والبنك المركزي، كلها كان لها دور مباشر أو ضمني في هذه السرقة، وفي محاولة التغطية عليها، وأن المتهم الرئيسي بالسرقة ما هو سوى واجهة لهذه الشبكة الواسعة! فالسرقة ما كان يمكن ان تحدث لولا صدور كتاب من اللجنة المالية في مجلس النواب إلى وزارة المالية يدعو الى إبعاد ديوان الرقابة المالية عن تدقيق عمليات إعادة المبالغ الجمركية والضريبية قبل صرفها. ولو لم يؤيد ديوان الرقابة المالية المقترح بكتاب رسمي إلى مكتب رئيس مجلس الوزراء، وإصدار الأخير كتابا يقبل فيه هذا المقترح.

وقد شاركت هيئة النزاهة في هذه «الجريمة» بتقاعسها عن التحقيق في «الشكوك» المتعلقة بصرف الأمانات الضريبية، لاسيما أنها أرسلت كتابا إلى هيئة الضرائب العامة عن وجود شكوك في صرف أحد هذه الصكوك المتعلقة بالأمانات، وبدلا من إيقاف عملية الصرف، او التدقيق فيها، اكتفت هيئة النزاهة برد هيئة الضرائب العامة بعدم وجود أي ضرر في المال العام! وقد تواطأ مصرف الرافدين أيضا مع السارقين الذين استطاعوا خلال 11 عشر شهرا (ما بين 9 أيلول 2021 و آب 2022) صرف 247 صكا بمبلغ ضخم يصل إلى 3.7 ترليون دينار عراقي، دون أن يتخذ المصرف أي إجراء وفقا للقوانين والتعليمات المعمول بها لوقف الصرف أو التدقيق فيه. وقد تغافل البنك المركزي أيضا عن إيقاف عمليات الصرف الضخمة التي جرت!

والملاحظة المثيرة هنا أنه خلال مدة الأحد عشر شهرا التي استمرت فيها هذه السرقة، تغير مدير هيئة الضريبة العامة ثلاث مرات، (نقل المدير الأول قبل شهر واحد من بداية السرقة إلى منصب مدير الهيئة العامة للجمارك العامة، وهناك شكوك واسعة على أن ثمة سرقات للأمانات الجمركية شبيهة بسرقة الامانات الضريبية، ثم جاء بعده مدير مؤقت من بداية آب 2021 إلى كانون الأول 2022، ثم مدير ثالث من كانون الأول 2021 إلى أيلول 2022). بل إن الاثنين الأخيرين خالفا بشكل واضح أمرا أصدره وزير المالية في 1 تشرين الثاني 2021 بمنع صرف الأمانات الضريبية قبل استحصال موافقته شخصيا!
وكان القضاء (محكمة استئناف بغداد/ الكرخ) قد طلب في 21 آب 2022 بوقف صرف الامانات الضريبية والجمركية بسبب «وجود حالات فساد» لكنه لم يتخذ أي إجراء حقيقي تجاه المتهمين حتى 14 أكتوبر2022 حين صدر أمر بإلقاء القبض على أحد المتهمين بسرقة الأمانات الضريبية بعد محاولة هروبه من المطار (وليس قبلها) أما بشأن الأمانات الجمركية فلم ترشح أي معلومات عن تحقيق حتى اللحظة!
و في تشرين الثاني 2022 قرر القاضي بالمحكمة المختصة بقضايا النزاهة إطلاق سراح المتهم الرئيسي، بعد أن أبدى الأخير استعداده لتسليم المبالغ المالية المترتبة بذمة شركاته وإجراء التسوية المالية البالغة أكثر من تريليون وستمئة مليار دينار خلال فترة زمنية محددة». وعدم رفع الحجز عن العقارات المحجوزة التابعة للمتهم «لحين اكتمال التحقيقات» وأن مبالغ هذه العقارات والأموال «تفوق المبلغ الإجمالي للأموال المسروقة» وأنه «سيحال على المحكمة المختصة لإجراء محاكمته أصوليا بعد تسديده كامل المبالغ التي بحوزته».
لكن نفس القضاء عاد بعد شهرين فقط ليرفع الحجز عن شركات وعقارات عائدة للمتهم وزوجته، وليرفع عنه قرار منع السفر بعد شهرين آخرين، لهذا لم يحضر المتهم جلسة محاكمته التي كانت مقررة في 14 آب الجاري، وأجلت إلى يوم 27 من الشهر الجاري، وليس ثمة ضمانة على أنه سيحضر المحاكمة!
جاء في رسالة استقالة وزير المالية علي عبد الأمير علاوي ما نصه: «تعمل شبكات سرية واسعة من كبار المسؤولين ورجال الأعمال والسياسيين وموظفي الدولة الفاسدين في الظل للسيطرة على قطاعات كاملة من الاقتصاد، وتسحب مليارات الدولارات من الخزينة العامة، هذه الشبكات محمية من قبل الأحزاب الكبرى والحصانة البرلمانية وتسليح القانون وحتى القوى الأجنبية، وأنها تحافظ على صمت المسؤولين الأمناء بسبب الخوف والتهديد بالقوة. لقد وصل هذا الأخطبوط الهائل من الفساد والخداع إلى كل قطاع من قطاعات اقتصاد الدولة ومؤسساتها ويجب تفكيكه بأي ثمن إذا كان مقدرا لهذا البلد أن يبقى على قيد الحياة»!

كاتب عراقي