فقرٌ في بلدٍ غني… من سرق لقمة الفقراء؟...
عن ظاهرة الفقر المزمنة في وطني “العراق” أتحدث…
ليس الفقر في العراق قدَرًا سماويًا، ولا امتحانًا ربانيًا ينزل على شعبٍ ضاقت به الدنيا. فالعراق لم يكن يومًا بلدًا قليل الموارد ولا فقير الثروات، بل هو من أغنى دول المنطقة بما حباه الله من بشر و نفط وماء وأرض خصبة وتاريخ عريق. غير أن المشكلة — أو الجريمة بالأحرى — ليست في الوطن وما يملك ، بل بمن تسلّط عليه .
لقد ابتُلي العراق، منذ سنوات طويلة، بنخبة سياسية جعلت السلطة بابًا للثراء، لا مسؤولية لخدمة الناس. نرى الفقر يزداد عمقًا واتساعًا، لا لأن الخزائن خاوية، بل لأن يدًا عابثة تسرقها قبل أن تصل إلى مستحقيها. ولطالما ردّد أبناء هذا الوطن بمرارة: “نحن لا نعاني من قلة الثروة… بل من كثرة اللصوص.”
فقرٌ صُنع في المكاتب… لا في السماء
توارثت الحكومات المتعاقبة عجزًا أو تجاهلًا في إدارة الثروة الوطنية. ومع أن العراق يمتلك موارد تكفي لعيش كريم لكل مواطن، إلا أن نظام التوزيع المختل جعل طبقة صغيرة تتخَم، وطبقة واسعة تتضوّر جوعًا.
وهكذا ظل الفقر في العراق ظاهرة تتفاقم لا تتراجع، بينما تنمو حولها طبقة طفيلية تستفيد من بقاء الوضع على ما هو عليه.
إنّ الفقر هنا ليس نتيجة حربٍ فقط، ولا حصارٍ فقط، بل قبل كل شيء هو نتيجة فسادٍ مُمنهج وخيانة للأمانة العامة.
عندما يسرق الوطن أبناءه
الوطن ليس شعارًا ولا علمًا يرفرف فقط.
الوطن هو أن يشعر الإنسان بأن له مكانًا يأمن فيه على رزقه وكرامته ومستقبل أطفاله.
فإذا فشل الوطن — أو من يمسكون بمفاصله — في أداء هذا الواجب، فكيف نستطيع أن ندّعي أنّ الوطن يحمي أبناءه؟
إن الوطن الذي لا يُطعِم أبناءه بكرامة، لا يستحق أن يُقال إنه وطن… بل هو أرضٌ تقاسمها المتنفذون واقتسموا خيراتها وتركوا الناس عند أبواب الحاجة والذل.
شاهدٌ مؤلم…
قبل أيام، كتبت إحدى الصحف العربية تحقيقًا بعنوان:
“اقتصاد القمامة في العراق… فقراء في خطر”
وفيه صور لأطفال وشيوخ يبحثون في مكبّات النفايات عن بقايا طعام أو خردة تباع ببضع دنانير.
مشهد يكسر القلب، ويهين تاريخًا، ويطرح سؤالًا أخلاقيًا قاسيًا:
كيف يصل بلدٌ يملك كل هذا الثراء، إلى أن يعيش بعض أبنائه على الفضلات؟
والمفارقة القاتلة…
تزامن نشر هذا التحقيق مع موسم الحملات الانتخابية، حيث يُشاهد العراقيون بذخًا إسرافيًا غير مسبوق…
لوحات إعلانية بملايين الدولارات
مواكب وولائم
حفلات ووعود
وأموال تُبذر وكأنها من جيوب خاصة…
لكن الحقيقة أنها ليست كذلك.
هذه الأموال هي أموال الفقراء.
هي حق طفل حُرم من دواء.
هي حق امرأة فقدت معيلها.
هي حق عجوز تقتات من صدقات الناس.
هي حق وطنٍ جُعل أهلُه غرباء في أرضهم.
ولو وُظفت هذه الأموال في إطعام المحتاجين لكفتهم وزادت.
كلمة أخيرة
الفقر في العراق ليس مجرد حالة اقتصادية، بل قضية أخلاقية وسياسية.
ولا يمكن علاجها بصدقات ولا خطابات، بل بإعادة تعريف مفهوم الدولة، وإعادة بناء العقد بين المواطن والسلطة، ومحاسبة كل من خان الأمانة واستباح المال العام.
لقد آن للعراقيين أن يسألوا أنفسهم:
هل سنبقى شهودًا صامتين؟
أم سنقف لنعيد للوطن أخلاقه قبل أن نعيد له ثرواته؟

