رأي تجديد

النفط وحده لا يبني دولة: ما الذي يعنيه “الإصلاح” حقًا في العراق؟

يمتلك العراق موردًا نفطيًا قادرًا—من حيث المبدأ—على تمويل احتياجات الحاضر وخلق ضمانات للمستقبل. لكن التجربة تُثبت أن الوفرة المالية لا تتحول تلقائيًا إلى رخاءٍ عام، ما لم تُدار ضمن دولةٍ منضبطة وشفافة. فحين يتقدم الفساد وسوء الإدارة على التخطيط والكفاءة، يصبح النفط مصدرًا لتضخم الإنفاق الجاري، وتراجع الخدمات، واتساع الفجوة الاجتماعية.

الإصلاح لا يبدأ من جيب المواطن

تلجأ حكومات كثيرة عند الضيق المالي إلى وصفات سريعة: رفع الرسوم الكمركية وزيادة الضرائب غير المباشرة. هذه الإجراءات قد تعالج عجزًا آنيًا على الورق، لكنها في الواقع تُنقل كلفتها إلى المستهلك النهائي، أي إلى المواطن. وفي بلدٍ تشكل فيه الطبقة المتوسطة والشرائح محدودة الدخل الكتلة الأكبر— بين موظفٍ ومتقاعدٍ ومعتمدٍ على إعانة — فإن أي زيادة في أسعار السلع والخدمات تعني مزيدًا من الضغط على القدرة الشرائية، ومزيدًا من الاحتقان.

المشكلة ليست في مبدأ الضرائب بحد ذاته، بل في التوقيت والعدالة والمنهج: حين يُطلب من الفقراء تمويل إخفاقات الإدارة، يتحول “الإصلاح” إلى عبءٍ اجتماعي، لا إلى حلٍّ اقتصادي.

جوهر الأزمة: الفساد وسوء الإدارة

الفساد ليس ملفًا أخلاقيًا فقط، بل نزفٌ مالي مباشر: عقودٌ مُبالغٌ فيها، مشاريع متلكئة، استثناءات وإعفاءات غير مبررة، وتسرّب في المنافذ والإيرادات. وفي ظل هذا الواقع، فإن زيادة الرسوم قبل سدّ منافذ الهدر تُشبه صبّ الماء في إناءٍ مثقوب.

كما أن ضعف التخطيط يحوّل الموازنات الكبيرة إلى إنفاقٍ بلا أثر: أرقام ضخمة، مقابل خدماتٍ لا ترقى لحجم ما يُصرف عليها. وهنا يتبدى السؤال الحاسم: هل تُنفق الدولة للنتائج أم للاستهلاك السياسي والترضيات؟

ما البديل الواقعي؟

الإصلاح الحقيقي يبدأ من الدولة قبل المواطن، عبر مسار واضح ومحدّد:

    ١-    مكافحة الفساد كسياسة مالية: شفافية العقود، تدقيق فعلي، محاسبة، وإغلاق أبواب الاستثناءات.

    ٢-    إدارة كفوءة للموارد: ربط الإنفاق بمؤشرات أداء ونتائج قابلة للقياس، لا بمجرد تخصيصات.

    ٣-    اقتصاد مخطط لا ارتجالي: أولويات وطنية واضحة في الطاقة والخدمات والبنية التحتية وبيئة الأعمال.

    ٤-    عدالة في توزيع العبء: حماية السلع الأساسية والشرائح الهشة، وتوجيه الجباية نحو القطاعات القادرة والأنشطة الريعية، لا نحو الاستهلاك الشعبي الواسع.

    ٥-    إصلاح المنافذ والإيرادات أولًا: لا معنى لرفع الرسوم إذا كان التهرب قائمًا والعدالة غائبة.

خاتمة

المعادلة بسيطة: النفط قد يكون كافيًا، لكن شرط الكفاية هو الحوكمة. فإما دولةٌ قادرة على تحويل الريع إلى تنميةٍ وخدمات وفرص عمل، وإما استمرارُ دوامة “جبايةٍ أسهل” تُفاقم الفقر وتُضعف الثقة وتُعقّد الأزمات. المطلوب مراجعة جادة لمسار السياسات المالية، قبل أن تتحول الفجوة بين الدولة والمجتمع إلى أزمةٍ مفتوحة