رأي تجديد

الفساد… عندما تصبح الدولة غنيمة

هناك جريمة  قد تكون موجعة…
وهناك جريمة قد تكون مهينة…
لكن أقسى الجرائم ، عندما تكتشف أن اللص ليس غريبًا بل هو حارس المال العام نفسه بعد ان أصبح أول السارقين !!
هذا هو شعور العراقي اليوم.
فما تم تداوله حتى الآن، وما كُشف عنه من ملفات فساد، وماهي إلا غيض من فيض ، ليست مجرد أخبار عابرة في نشرات الأخبار، بل صدمة وطنية حقيقية…محزنة، ومخجلة.

الإجراءات الأمنية التي انطلقت تحت عنوان (صولة الفجر) في 28 من الشهر الماضي  في المنطقة الخضراء وتوسعت لبقية المحافظات، واستهدفت مشتبهين بقضايا فساد، تمثل بلا شك خطوة في الاتجاه الصحيح. بل هي الخطوة الأكبر تأريخياً منذ عام 2003 والتي أعادت شيئًا من الاعتبار للدولة، وأحيت أملًا  بإمكانية تغيير الحال.

لكن الحقيقة التي ينبغي قولها بصراحة هي أن المواطن الشريف، الذي صبر على فساد النخبة السياسية طوال ثلاثة وعشرين عامًا، لن تقنعه خطوة محدودة… مهما كانت أهميتها ، و العراقيون تعبوا من المشاهد الاستعراضية ، تعبوا من ملفات تُفتح ثم تُغلق ، ومن أسماء تُسرّب ثم تختفي ، ومن لجان تحقيق تنتهي بلا نتائج، الناس لا تريد حملة علاقات عامة ،  قرابين صغيرة تُقدَّم لامتصاص غضب الشارع.
ما يريده العراقيون اليوم هو شيء واحد فقط:
"معركة حقيقية ضد الفساد"
معركة بلا انتقائية.بلا مجاملة.بلا حصانات.بلا خطوط حمراء….
معركة تصل إلى الرؤوس الكبيرة قبل الأذرع الصغيرة.
نريدها مثل كرة الثلج؛ كلما تدحرجت كبرت، حتى تقتلع جذور الفساد من أرض الرافدين.
لكن علينا أيضًا ألا نخطئ التشخيص.
القضية لا تتعلق بمجرد مجموعة لصوص تسللوا إلى الوظيفة العامة واستغلوا مناصبهم للإثراء غير المشروع.
المشكلة أعمق بكثير.
نحن أمام أزمة نظام حكم.
*نظامٌ سمح بصعود جشعين فسدة إلى مواقع وظيفية حساسة.
*نظامٌ سمح بالتسيّب في المال العام بلا رقيب ولا حسيب.
*نظامٌ يلاحق صغار الفاسدين بينما يغض الطرف عن الحيتان.
*نظامٌ يوفّر الغطاء القانوني والإداري لاستمرار النهب المنظم سنوات طويلة.
*نظامٌ يتحول فيه ممثل الشعب — النائب — من رقيب على ثروات العراق إلى شريك في نهبها.
*نظامٌ تجاهل الرأي العام طويلًا، ولم يعبأ بما نشرته الصحافة والإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي من فضائح ووثائق وقرائن.

لهذا فإن اختزال الأزمة في بضعة أسماء فقط، فيه قدر من التبسيط المخل و شعب العراق يرفضه . .
الفساد في العراق لم يعد مجرد انحراف فردي…بل أصبح، في بعض مفاصل الدولة، بنيةً قائمة بذاتها.
شبكات…واجهات…شركات…عقود…فتاوى ، سماسرة…حلقات حماية سياسية وإدارية وقضائية.
وهنا تكمن الكارثة !
فالفساد حين يتحول إلى منظومة، يصبح أخطر من الإرهاب.
الإرهاب قد يقتل إنسانًا ، أما الفساد فيقتل وطنًا كاملًا.
يدمر التعليم.
ينهك الصحة.
يعطل التنمية.
يُفقر الشعب.
ويهدم ثقة المواطن بالدولة.

والأشد إيلامًا أن هذا المشهد ليس من طبيعة العراق، ولا من إرث دولته الحديثة التي تأسست عام 1921.
لقد عاش العراقيون 
زمنًا كان المنصب فيه تكليفًا لا تشريفاً , خدمة لا غنيمة ، و قاده رجال حرصوا على المال العام حرصهم على الشرف …عراق المسؤول الذي يخشى على المال العام كأنه ماله الشخصي… بل أكثر.
ذلك هو العراق الذي نعرفه.

عراق الدولة.
عراق الانضباط.
عراق القيم

ولهذا كان العراق قويًا، متعافيًا، مسموع الكلمة، مهيب الحضور.
أما اليوم، فقد وصلنا إلى لحظة مؤلمة يسأل فيها المواطن:
كيف نحتمي إذا كان اللص هو الحارس !! يعيش معك في البيت؟

ومع ذلك، لا يزال الأمل قائمًا.
لكن بشرط واحد:أن تكون هذه الحملة بداية نهج جديد، لا حدثًا عابرًا او طلقة في الظلام، بل عملية مقصودة واعية ومخططة بعناية  ، لا تستثني فاسد ، كبر أو صغر ، لهذا ينبغي المضي بها حتى النهاية ، 
لكن مع  الانتباه ، لقادم الأيام ، اذ قد يختفي كبار الفاسدين  عن الأنظار.
وقد تُهرَّب أموال.
وقد تُتلف وثائق وسجلات.
وقد تُمارَس ضغوط هائلة لتعطيل العدالة.
لهذا فإن عنصر الوقت حاسم.
العراق اليوم أمام اختبار تاريخي.
إما أن تبدأ عملية تنظيف حقيقية وجادة …
أو تضيع فرصة جديدة كما ضاعت فرص كثيرة في الماضي .
الترقيع لم يعد ينفع.
المسكنات لم تعد تُجدي.
العراق يحتاج مراجعة جادة وشجاعة لمنظومة الحكم كلها.
لأن بناء دولة نظيفة لا يتم بإلقاء القبض على فاسد هنا أو لص هناك فقط…
بل بإصلاح البيئة التي أنتجتهم.
وبذلك …يمكن ان نقول ان في العراق دولة ، الموظف فيها أمين ، و عينه ساهرة على المال العام ، عندها فقط يطمئن المواطن إلى يومه وغده .